برنامج "تَقدِر".. من قرى الفيوم تبدأ حكاية التغيير لتعزيز المسؤولية المشتركة داخل الأسر

التاريخ:

في قلب محافظة الفيوم، تتضافر الجهود من خلال تنفيذ برنامج "تَقدِر"، الذي يسعى إلى تعزيز المساواة بين الجنسين من خلال تشجيع الرجال على القيام بدور أكثر فعالية في أعمال الرعاية والمسؤوليات المنزلية.

تم تصميم البرنامج على الإيمان بأن المساواة بين الجنسين لن تتحقق دون إشراك الرجال ودعمهم كشريك أساسي في تنمية المجتمع. ومن خلال جلسات مجتمعية في القرى والمراكز الريفية، يتيح البرنامج الفرصة للرجال والنساء للتفكير في دور المرأة والرجل داخل الأسرة، مما يعزز المسؤولية المشتركة ويتحدى الصور النمطية السلبية. وقد تم اختيار الميسرين المجتمعيين من قرى مختلفة فى مركز آطسا بالفيوم حيث يعتبر الميسر المجتمعي هو الركيزة الأساسية لتنفيذ أنشطة البرنامج من خلال التواصل مباشرةً وبشكل مستمر مع الأسر لتوضيح الهدف من برنامج "تقدر". وقد تم تنظيم تدريب للميسرين/الميسرات على نموذج لإشراك الرجال والفتيان في أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر والمسؤوليات المنزلية. واستمر التدريب على مدار ثلاثة أيام لتعريفهم بطبيعة البرنامج والمعلومات المطلوبة وكيفية إيصال الرسالة وتعزيز المسؤولية المشتركة داخل الأسر.

في شهر مايو 2025، تعرف عبد المنعم محمد على برنامج "تَقدِر" من خلال رابط نشرته مؤسسة جذور من أجل التنمية على موقع فيسبوك. جذبته الفكرة فورًا، إذ كان دائم الإيمان بأهمية أعمال الرعاية في المجتمع، كما أنه كان أحد الداعمين لحملة "لأني رجل" التابعة للمجلس القومي للمرأة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة. بالنسبة له، كانت المشاركة في البرنامج امتدادًا طبيعيًا لمسيرته، وتجسيدًا لقناعة راسخة لديه بأن المساواة في المسؤوليات ليست منّة من طرف تجاه الآخر، بل التزام مشترك بين شريكين يكملان بعضهما البعض.

يعمل عبد المنعم مع فريق الميسرين والميسرات على تنفيذ الجلسات التوعوية في القرى، حيث يتم اختيار الأسر وفق معايير دقيقة تشمل ضمان مشاركة الطرفين، الزوج والزوجة، في الحوار. كما يتم التركيز على التفاعل العملي، حيث يتطلب من الزوج والزوجة تسجيل تفاصيل يومين من حياتهم الأسبوعية لمراقبة توزيع المهام المنزلية. ومع مرور الوقت، بدأت تظهر تحوّلات واضحة في سلوك الأسر المشاركة، حيث أصبح الأزواج أكثر وعيًا بمفهوم التعاون وأهمية تقاسم المسؤوليات.

Abdelmoniam DTC story
عبد المنعم محمد، أحد الميسرين المجتمعيين ببرنامج "تقدر" خلال زيارة منزلية لإحدى الأسر بالفيوم. صورة: بإذن من مؤسسة جذور.

في أغسطس الماضي، شهد عبد المنعم موقفًا يجسد معنى التغيير الذي يسعى البرنامج إلى تحقيقه. كان أحد المشاركين في الجلسات قد سافر لمدة أربعة أيام، وأثناء تعبئته للاستمارة الأسبوعية، أخبر الفريق أنه حاول عند عودته تعويض ما فاته من أنشطة منزلية، من إعداد الطعام إلى ترتيب المنزل ومساعدة أسرته في شؤون الحياة اليومية. " كانت تلك الخطوة البسيطة، علامة واضحة على أن الوعي بدأ يتحول إلى ممارسة حقيقية،" أوضح عبد المنعم. وبعد أربعة أشهر من التنفيذ الميداني، بدأت ملامح التغيير تتضح في عدة قرى بالفيوم. تشير المتابعة الميدانية إلى ارتفاع مستوى التفاهم داخل بعض الأسر، وتنامي شعور الرجال بأهمية المساندة في الأعمال المنزلية، ليس بوصفها واجبًا إضافيًا، بل تعبيرًا عن تقديرهم لشريكاتهم. في الوقت نفسه، أبدت النساء شعورًا أكبر بالراحة النفسية نتيجة لهذا التغيير التدريجي في أنماط التعامل. أثبتت تجربة برنامج "تَقدِر" أن تغيير السلوكيات لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل هو عملية تراكمية تتطلب الجهد والممارسة.

فريق المسيرين بالبرنامج ليس مقتصر على الرجال فقط، بل يتضمن عدد من المسيرات نظرًا لجهود البرنامج في التواصل مع الأسر -زوجات وأزواج.

عندما سمعت ياسمين مصطفى، من محافظة الفيوم، عن برنامج ""تَقدِر"" عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خلال صفحة مؤسسة جذور من أجل التنمية وعن اختيار الميسرين/ات المجتمعيين/ات، شعرت بأن فكرة البرنامج تتماشى مع قناعاتها، نظرًا لإيمانها القوى بأهمية خلق حوار هادف مع المجتمعات لتغيير المفاهيم والسلوكيات الخاطئة عن دور الرجل والمرأة. وفور قبولها وانضمامها لفريق المسيرات بالبرنامج، واجهت ياسمين تحديات كبيرة أثناء زيارة القرى، خاصة في المراكز الريفية بمحافظة الفيوم، حيث اعتقد بعض الأهالي أن البرنامج يسعى لتغيير معتقداتهم أو اختراق خصوصياتهم. ازداد التحدي مع تطبيق أداة مذكرات الوقت، التي يُطلب فيها من الأزواج والزوجات تسجيل أنشطتهم اليومية لتقييم توزيع المهام المنزلية. شعر البعض بالتوجس من الفكرة، معتبرين أنها وسيلة للتدخل في شؤونهم الخاصة. لكن مع المثابرة وشرح الهدف الحقيقي بطريقة بسيطة، أدرك الأزواج والزوجات أن الغاية هي تحسين التواصل داخل الأسرة، وليس المراقبة أو النقد.

Yasmine Mostafa DTC story
ياسمين مصطفى، إحدى المسيرات المجتمعيات ببرنامج "تقدر" خلال تقديم إحدى الجلسات التدريبية ملعدد من المشاركين بمحافظة الفيوم. صورة: بإذن من مؤسسة جذور.

أوضحت ياسمين كيف أثر البرنامج في سلوكيات الرجال قائلًا: "بمرور الوقت، تغيرت الأجواء داخل الجلسات. بدأت النساء والرجال يتحدثون بصدق عن ضغوط الحياة اليومية وكيفية تقاسم المسؤوليات. ومن بين المؤشرات الملموسة للتغيير، ظهرت سلوكيات بسيطة لكنها معبرة؛ أحد المشاركين مثلاً بدأ يملأ مبرد المياه قبل خروجه للعمل، وآخرون صاروا يشاركون في أعمال المنزل طوعًا. ومع مرور أربعة أشهر على تنفيذ البرنامج، لاحظ الفريق أن الرجال لم يعودوا يشاركون بدافع المساعدة فحسب، بل بدافع القناعة بالدور المشترك داخل الأسرة."

تم تنظيم هذه الأنشطة من قبّل مؤسسة جذور، في إطار برنامج "تَقدِر" الذي تنفذه هيئة الأمم المتحدة للمرأة في مصر بالشراكة مع المجلس القومي للمرأة، وبدعم من الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي (سيدا).