كلمات من منى أحمد: أتاحت لي الورش مساحة حرّة للتعبير والتعلُّم واكتشاف دور الفن في المجتمع
التاريخ:
مُنى أحمد، شابة أسوانية عمرها 32 عامًا، حاصلة على درجة الماجستير من معهد البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة أسوان برسالة عنوانها "دلالات الأنثروبولوجيا للفنون المجتمعية في إفريقيا ودورها في المجتمع".
كانت منى في حاجة إلى تجربة جديدة تُعبّر من خلالها عن اهتماماتها الشخصية بعيدًا عن الضغط الدراسي والمهني، فاقترحت عليها إحدى صديقاتها الانضمام إلى ورش صناعة الأفلام التي نُظِّمت في إطار الشراكة بين هيئة الأمم المتحدة للمرأة في مصر والاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة (AIWFF) خلال شهري مارس وأبريل 2025، وفي نهاية الورش، أُتيحت الفرصة للمشاركين والمشاركات للعمل بشكل جماعي لإنتاج أفلام قصيرة لتطبيق المهارات التي اكتسبوها عمليًا، وعُرضت تلك الأفلام على هامش مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة في مايو 2025.
" كنتُ أشعر باستهلاك ذهني كبير وفي حاجة إلى مساحة جديدة أوجّه فيها طاقتي وأسهم من خلالها في شيء يعبّر عني. أحببت فكرة تعلّم تصوير الفيديو بهدف إنتاج محتوى بصري مرتبط بتخصصي الأكاديمي، إذ أومن بأهمية توثيق وتقديم المعرفة الجديدة بصريًا كوسيلة فعّالة لنقل العلم ونشره، لذلك شعرت أن هذه الورش فرصة مناسبة لي.
أعتقد أن نقطة التحوّل الحقيقية في حياتي بدأت بعد الانتهاء من المرحلة الثانوية، حين التحقتُ بكلية الآداب في جامعة سوهاج للدراسة بعيدًا عن أسرتي. كانت تلك التجربة الأولى التي أتحمّل فيها مسؤولية قراراتي بشكل كامل، وهو ما ساعدني على بناء استقلاليتي وتقدير ذاتي، خاصة مع دعم والديّ في كل خطوة الذي كان له أثر كبير في منحي الثقة للاستمرار والمضي قُدمًا في خياراتي، بما في ذلك الانضمام لورش صناعة الأفلام.
أكثر ما أعجبني في الورش أنها لم تفرض علينا أي قوالب للتفكير، بل منحتنا حرية كاملة في طرح أفكارنا بالطريقة التي نراها مناسبة، هذا الجو من الانفتاح ساعدني على التفاعل بثقة، خاصة في ظل تنوع خلفيات المشاركين والمشاركات الكبير، كل
شخص جاء بأهداف مختلفة، وهو ما جعل تجربة العمل الجماعي تحت إشراف المخرج ثرية وملهمة. لقد شعرتُ بالامتنان حين شاركت في الورش إذ أدركتُ كم نحن بحاجة إلى مساحات آمنة نعبّر فيها عن أنفسنا دون خوف أو قيود، كما أن هذه التجربة وفَّرت لي بيئة حاضنة يمكن للنساء من خلالها مشاركة أفكارهن وتجاربهن بحرية بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الضغوط الاجتماعية. هذا الإحساس بالأمان كان له أثر بالغ في تعزيز ثقتي بنفسي، وساعدني على التعبير بصدق وشفافية عمّا أشعر به وأفكر فيه.
في بدايات مشاركتي، راودني تساؤل داخلي عن مدى ارتباط مجالات مثل الإخراج والإنتاج وصناعة السينما عمومًا بتخصصي الأكاديمي في الأنثروبولوجيا والتمكين الاقتصادي. كنت أتساءل إن كان لهذا المسار الفني قدرة حقيقية على إثراء اهتمامي العلمي والمجتمعي، لكن ما اكتشفته خلال الورش فاق توقّعاتي؛ إذ تبيّن لي أن المسافة بين التخصصين ليست بعيدة كما تصورت، بل هناك تقاطعات جوهرية، كل أداة تعلمناها -من كتابة السيناريو والحوار إلى استخدام الكاميرا والإضاءة وفهم السرد البصري والفروقات بين اللقطة والمشهد وصولًا إلى المصطلحات التقنية مثل "الرابور" و"الكاستنج" و"الديكوباج"- لم تكن مجرد أدوات تقنية، بل وسائل جديدة وفعَّالة لرواية قصص الناس، خاصة تلك التي غالبًا ما تُهمَّش أو لا تلقى الاهتمام الكافي.
من الجوانب التي أثرت تجربتي أيضًا، كان التعرّف إلى آليات اختيار الممثلين وتوزيع الأدوار بما يتناسب مع طبيعة كل شخصية، أدركتُ أهمية الحفاظ على تعبيرات الممثل خلال التصوير، وكيفية توجيهه بطريقة تحفظ انسجام الأداء مع رؤية المخرج وتنظيم دخول الشخصيات بحسب تسلسل المشاهد، وهي خطوات ضرورية لضمان سير العمل بسلاسة وكفاءة، كما كانت لدي فرصة لتعلّم الفروقات بين زوايا التصوير وأنواع العدسات، إلى جانب المبادئ الأساسية في المونتاج، ما أتاح لي القدرة على التواصل بفاعلية مع فريق المونتاج والمساهمة في الوصول إلى الشكل النهائي للفيلم بالصورة التي تواكب رؤيتنا كمجموعة.
وخلال مشاركتي في الورش، عُرضت عليّ فرصة لتجربة التمثيل، لكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة. لم يكن السبب عدم رغبتي لكن ما يمكن وصفه بـ"الوعي الجمعي" داخل قريتي إذ لا تزال بعض المهن تُواجَه بنظرة تقليدية غير مشجعة، لذلك اخترت التركيز على مجال الإخراج، وهو ما شعرتُ أنه يُعبّر عني بصورة أصدق، ولقي هذا القرار دعمًا واضحًا من والديّ، ما عزز إحساسي بصحة المسار الذي اخترته.
كما تضمنت الورش محاضرة بعنوان "دور التنمية في تمكين الفنانات وصانعات الأفلام"، جعلتني أتأمل الدور العميق الذي يمكن أن تلعبه السينما في تشكيل وعي الجمهور بقضايا المرأة، ليس من خلال الشعارات المباشرة، بل عبر سرد قصص إنسانية صادقة تعبر عن قضايا حقيقية، واستحضرت حينها نماذج سينمائية كتلك التي كتبها الراحل وحيد حامد التي نجحت في إيصال قضايا معقدة بلغة درامية تمسّ المتلقي بعمق وتحترم وعيه.
بالإضافة إلى ذلك، استمتعت كثيرًا بالجزء العملي، إذ قُسِّمنا مجموعات صغيرة للعمل على إنتاج أفلام قصيرة ما أتاح لي فرصة حقيقية لتطبيق ما تعلّمته ضمن فريق متكامل، فشاركتُ في فيلم "قلم كوبيا" كمساعدة مخرج. كانت تجربة عملية أعمق بكثير من مجرد تدريب تقني تعلّمت من خلالها كيف أكون جزءًا من فريق وكيف أطور فكرة بصرية من بدايتها حتى تنفيذها. هذه التجربة عززت ثقتي في قراراتي ووسَّعت من فهمي لكيفية استخدام الفن وسيلةً للتعبير عن القضايا التي أومن بها.
بعد انتهاء الورش، أفكر الآن في تطوير مشاريع بصرية تفتح مساحات جديدة لسرد واقعنا، لكنني لا أريد أن يكون هذا السرد مجرد حكي، بل فعل؛ فعل يتسع مع الوقت، يعيش ويتنفس ويصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس وهذا ما أراه اليوم ليس فقط شغفي بل مسؤوليتي أيضًا.
وأود أن أوجّه كلمتي لكل شابة تؤمن بقدرتها على إحداث أثر في مجتمعها، وتبحث عن أدوات تعبّر بها عن رؤيتها وتجسّد من خلالها طموحاتها، أقول لها بكل يقين: هذا المجال قادر على أن يمنحك المساحة لتقولي كل ما تحلمين به، وأن يخلّد أثرك بما يتجاوز اللحظة. بالنسبة لي، في كل مرة أستمع فيها إلى سيدة تروي حكايتها، أشعر أن العالم كله بحاجة إلى أن يصمت قليلًا، ويمنحها تلك المساحة كي تُكمل، لأن كل قصة تُروى تُجبرنا أن نسأل أنفسنا: لماذا تأخرنا كل هذا الوقت في الاستماع؟ ولهذا
أومن أن الاستماع إلى الحكايات لا ينبغي أن يكون لمجرد كتابتها، بل من أجل المشاركة فيها، وتحويلها إلى فعل حيّ، يوصل صوتها إلى الأماكن التي تستحق أن تسمعه وربما تتأثر به وتتحرك بسببه