كلمات من محمد محيي: الورش فاقت توقعاتي ومنحتني فرصة حقيقية لتطبيق ما تعلمته

التاريخ:

محمد محيي، 21 عامًا، أسواني في السنة الثانية بكلية التجارة، وإلى جانب الدراسة يعمل في مجالي عرض الأزياء والمونتاج، لم يكن له سابق خبرة بمجال صناعة الأفلام، رغم حبه الشديد لها وشغفه بسرد الحكايات البصرية، وفي عام 2024، تعرَّف إلى ورش صناعة الأفلام من خلال أحد أصدقائه الذي شجعه على خوض هذه التجربة، بحثًا عن مساحة جديدة يعبّر من خلالها عن اهتماماته الفنية. 

وبناءً على هذا التشجيع، قرَّر محيي الانضمام إلى ورش صناعة الأفلام التي أُقيمت في إطار مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة عام 2024، ثم عاد ليشارك في الدورة الجديدة من الورش التي أقيمت في إطار المهرجان هذا العام خلال شهري مارس وأبريل 2025 بالشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة في مصر والاتحاد الأوروبي. 

وفي ختام الورش، أُتيحت للمشاركين والمشاركات فرصة إنتاج أفلام قصيرة لتطبيق المهارات المكتسبة بشكل عملي للعرض على هامش فاعليات المهرجان في مايو 2025.

Mohamed Mohey (AR)
محمد محيي ، أحد المشاركين في ورش صناعة الأفلام التي أقيمت في أسوان خلال شهري مارس وأبريل 2025. صورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة/شهاب الجمل.

"في البداية، لم يكن سهلًا أن تتقبل عائلتي مشاركتي في مجال بعيد تمامًا عن دراستي الجامعية، لكن جدتي -التي لعبت دور الأم في حياتي منذ طفولتي حتى سن الثامنة- الداعم الأول لي. كنا نقضي وقتًا طويلًا في مشاهدة الأفلام معًا بصحبة فنجان شاي وحديث بسيط، مع ذلك شكَّلت هذه اللحظات وجداني وغرست داخلي حب السينما دون قصد؛ هذه العلاقة العاطفية التي جمعتني بالفن منذ الصغر، كانت حافزي للاستمرار، رغم اختلاف الطريق عن مساري الأكاديمي. 

وفي عام 2024، بدأ هذا الشغف يتحول لمسار فعلي حين أخبرني أحد أصدقائي المقربين عن ورش صناعة الأفلام التي تُنظَّم في إطار مع مهرجان أسوان لأفلام المرأة، وشجَّعني على التقديم فورًا، مؤكدًا لي أن مثل هذه الفرص قد لا تتكرر، فكانت تلك اللحظة بداية التحول الحقيقية من مُشاهد يعشق السينما إلى شاب يسعى إلى صناعتها بنفسه.

في أولى مشاركاتي بهذه الورش، كنت ميالًا إلى تجربة التمثيل، إذ ظننته الأقرب لما أحب، لكن مع تعمقي أكثر اكتشفت زوايا جديدة أكثر تأثيرًا، وعلى مدار السنتين التحقت بورش مختصة في مجالي الإخراج الفني والإنتاج فوجدتهما الأقرب لاهتماماتي وطبيعة شغفي بالفنون البصرية. 

اكتشفت كذلك أن جانب الإخراج الفني لا يقتصر على تنسيق المشاهد أو تجهيز المواقع، بل يتطلّب قدرة كبيرة على إيجاد حلول سريعة وفعّالة لأي تحديات قد تطرأ في أثناء التصوير، سواء تعلّقت بترتيب الموقع، أو توزيع الإضاءة، أو تنسيق الإكسسوارات. هذا النوع من العمل يتطلب دقة في التفاصيل ورؤية شاملة، مما جعلني أدرك أهميته كمكون أساسي في بناء الصورة النهائية لأي عمل سينمائي.

وفي هذا العام، كنت مخرجًا فنيًا للفيلم القصير "قلم كوبيا"، ضمن أحد مشاريع الورش، وقد واجهت منذ اللحظة الأولى تحديات حقيقية، إذ كان عليّ مثلًا إعادة تهيئة موقع التصوير بالكامل وتغيير ملامحه من الصفر، ليصبح ملائمًا للرؤية الفنية المطلوبة للفيلم.. كانت تجربة صعبة ومرهقة، لكنها شكلت نقطة تحول في ثقتي بنفسي، وعمَّقت فهمي لدور الإخراج الفني في بناء الصورة البصرية للفيلم. 

في البداية، كنت أظن أنهذه الورش ستكون مجرد محاضرات عامة ونظرية، دون تطبيق عملي، لكن ما وجدته حقيقة فاق توقعاتي، خاصة أن التركيز على الجانب العملي منحني فرصة رائعة لتطبيق ما تعلّمته في أثناء إنتاج الأفلام، هذا المزيج بين التعلم النظري والممارسة الفعلية ساعدني على ترسيخ المهارات المكتسبة وأتاح لي فهمًا أعمق لتفاصيل الصناعة، من الإعداد حتى التنفيذ، واليوم.. أحلم أن أواصل العمل في هذا المجال وأصبح مخرجًا فنيًا في مشاريع سينمائية داخل مصر وخارجها.

ومن الجوانب التي أثرت تجربة مشاركتي في الورش هذا العام أيضًا، حضوري ندوة بعنوان "دور التنمية في تمكين الفنانات وصانعات الأفلام"، إذ ساعدتني على التفكير في إجابة سؤال مهم "لماذا لا يزال أغلب روَّاد هذا المجال من الرجال؟" لكن المفاجأة أن معظم المخرجات المشاركات في المهرجان وورش صناعة الأفلام هذا العام نساء قدَّمن أعمالًا درامية متميزة وذات معنى إنساني عميق، نابع من قربهنّ من الواقع الاجتماعي والتجارب اليومية التي يجتزنها في مجتمعاتنا. 

 

لقد أدركتُ من خلال هذه الندوة أن تمكين النساء في السينما لا يعني فقط منحهنّ فرصة، بل الاعتراف الكامل بقدراتهنّ ومساهماتهنّ في إثراء الصناعة، لذا كانت هذه الندوة تجربة معرفية مميزة.

ومن أكثر ما ميَّز الورش هذا العام التطور الملحوظ في الإمكانيات التقنية، إذ توافرت لنا معدات تصوير وصوت على مستوى احترافي أعلى بكثير من العام الماضي. هذه التجربة العملية الميدانية، إلى جانب الإشراف المتخصص، جعلتنا نعيش تجربة مماثلة لواقع صناعة السينما الحقيقي. 

 

وبالإضافة إلى ذلك، فإن تنظيم هذه الورش في محافظة أسوان، بعيدًا عن العاصمة، أمر نادر في ظل تركّز أغلب فرص التدريب في القاهرة، لكن إتاحة هذا النوع من الورش في محافظات أخرى كأسوان والصعيد دون أي تكلفة على المشاركين والمشاركات، دعم فعليّ للمواهب الشابة يجب أن يستمر ويتسع.

 

وأنا أومن أن هذه الورش مجرد بداية، وأن الطريق لا يزال طويلًا، ومن ثمَّ أعتزم استكمال دراستي في كلية التجارة، لكنني في الوقت ذاته سوف أسعى للالتحاق بمعهد السينما، قسم إخراج، لتطوير مهاراتي الفنية والمعرفية، وحلمي أن أسهم في صناعة أعمال سينمائية حقيقية، تخاطب جمهورًا واسعًا داخل مصر وخارجها، أما رسالتي لشباب وبنات أسوان وصعيد مصر ألا تترددوا في خوض مثل هذه التجارب، قد تبدو غريبة في البداية، أو بعيدة عن مجالات دراستكم، لكنها قد تكون بابًا سحريًا لتجارب مختلفة تمامًا، فلا تخافوا اتخاذ هذه الخطوة، فبداخل كل تجربة حقيقية توجد بداية لحلم قد يتحقق".